|
آه , كل شيءٍ يسيرُ ببطءٍ شديدٍ مع مزيدٍ من الأمل والتسارع المتباطئ و كأن الكون يدنو من ساعة الصفر ! ساعة ُ الصفر ؟ نعم هكذا هو عالمنا و هذه هي اللحظة التي قد أوشك معظمنا أن يقع فيها لولا أن يحالفه الحظ ويبتسم له القدر ! لحظةٌ يُبتر فيها بقايا حبٍ وصفناه بالأبدي!! منذ سنين كنت أبحث عن شيءٍ ما بداخلي و شعرت أن قلبي لم تكتمل نبضاته و جسدي لم تكتمل نطفاته و صوتي لم تكتمل طبقاته , أما روحي فقد كانت تختنق أسيرةً داخل كينونتي الناقصة مستترةً في عالمي الإنفرادي المظلم. مرت الأيام و لم أستسلم , بحثت و بحثت عما ينقصني ولملمت أجزائي المبعثره فوجدت نفسي لأول مرةٍ في عالمٍ صغيرٍ كم أحببت أن يكون أكبر وأوسع مما تصورته رغم أنه يتسع لجميع المثليين مثلي . و فجأة يضربني ضجيج الواقع الصارخ فأستيقظ من حلمي بذلك العالم لأرى نفسي وحيداً تارةً أخرى , شريد الحال, متقطع الأوصال, في عالمٍ مزدحمٍ بأشواكٍ الإنس وحرباءات الزمان و متاهات المكان وأيقنت أني تائهٌ بين وحوشٍ بشريةٍ تريد أن تنقضّ على جسدي و تنهش ما تيسر لها منه , فأركض هلعاً واصطدم لأرى نفسي في مرآةٍ كسرتها من شدةِ خوفي يستتر خلفها فتاةٌ أوهمتُ نفسي بحبها لأخرج من دوامة الواقع . فتوقف الضجيج الذي آلم أحشائي و مددت يدي المرتجفة إليها فاختفى طيفها و اختفت معه جدران المتاهات وحدود المسافات و بقيت وحدي مع تلك الوحوش الهوجاء الضارية في ساحة المعركة . حاولت الهرب و لكنني لم أعد أقوى على الحراك من شدةِ التعب والذعر و شعرت باقتراب نهايتي و بدأت دموعي التائهة بين عالم الحلم والواقع تنهمر طالبة ً النجده , لا الرأفه , طالبةً الحريّة , لا الأسر , ومع سقوطِ آخر قطعةِ ملحٍ نديةٍ متألمة من وجهي , سمعت صوتاً يستل الأبعاد الأربعة من خلفي , يباغتني مسرعاً لاختطافي من جحيم المكان وعندما أيقنت ذلك! استدرت إلى الخلف ناظراً لأجد وميضاً انبثق منه أجمل ملاكٍ رأته عيناي ممتطياً حصاناً شفاف اللون و وجدت نفسي مجدداً في ذلك العالم الصغير الذي أحببت. وعندها شعرت أن الطول والعرض و الارتفاع و الزمان والمكان قد تلاشوا جميعاً وبقي البعد السادس خالداً في اللازمان واللامكان ! وشعرت بعدها أن ضياء الملاك قد شوش معالمه الحقيقية بعد أن أذاب قلبي بنوره وشدةِ سطوعه , وفجأة! انقطع نوره كانقطاع نور التيار الكهربائي في منزلنا أو أشد من ذلك , فشعرت مجدداً بالوحدة والأسى في دجى الليل الحالك , أسيراً لقلبي الذي غرق في بحر ضياءه منتظراً فوتوناً واحداً يلامس عيني التي بدأت تواسي فؤادي بدموعي المتقهقرة. و بدأ قلبي ينبض بشدةٍ منذراً الموت بآخر صرخات احتضاره بعد أن نضبت دموعي . وبدأت الساعة تتباطئ مقتربةً من الصفر, ومع شعوري للمرة الثانية باقتراب منيتي , مددت إحدى يداي مستنجداً و لكن دون جدوى ! و نظرت إلى ساعتي التي أوشك عقرباها أن ينطبقا ليتلاشيا مع آخر رمقٍ من حياتي و فجأة أحسست بدفءٍ يقترب من جسدي المتجمد دون أن أعرف مصدره , نعم! لقد لامسني ! يا إلهي ! إنه يتغلغل داخل يدي و يمسكها بقوةٍ و أرى نفحات وجهه المبتسمة تخترق ظلمة غرفتي و يسحرني لون عينيه الفيروزيّتين ببريق الحب فيهما لكنني سرعان ما أدركت عندها أنه شخصٌ آخر جاء لإنقاذي! مضى اليوم ولم أنسَ ذاك الشاب الذي أنقذ حياتي من براثن ساعة الصفر لكن قلبي المجروح المتنسك لشريعة الحب لم يشأ أن يخون من أحب . لم يشأ أن يحيى دون ضياءٍ زاهرٍ. هذا القلب العنيد الذي لطالما أحب بسذاجته و صدقه كل من قابل من خيرة البشر شكلاً وخُلقاً لم يشأ أن ينسى و يبدأ بحبٍ جديدٍ مع من أنقذه من الموت, بالرغم من أنه لم ينكر شدة تعلقه بسحر ذاك الشاب الدافئ المرهف الحس. و بعد اسبوع تقريباً تجدد لقائي بهذا الشاب النبيل الذي أنقذ حياتي و كانت كلماته المختصره وصوته العذب و نظراته الساحرة تروق لي . و استوعبت عندها أنه صديقٌ للجميع فأحكمت الحصار على قلبي و لكنني في الوقت ذاته فوجئت بمعرفته لضيائي فأصبحت كالمجنون الضائع. لم أشأ أبداً أن أفارق أي خيطٍ يربطني بمن امتلك مفاتيح قلبي , ربما أوهمت نفسي كثيراً و بملء إرادتي أني أحببت هذا الضياء لكنني لا أستطيع أن أوهم قلبي بأن يحب أو يكره! وفي لقائي الثالث مع صديقي الحميم أدخل ذراعه معانقاً ذراعي , أحسست عندها بنشوة فرحٍ عارمةٍ و كأنني أتذوق طعم الصداقة لأول مرةٍ في حياتي لكن نيران قلبي الثائر كانت لنا بالمرصاد ولم تسمح لنا بالتمادي و سرعان ما تسارعت تلك اللحظات الجميلة حتى خضعت ذراعي البريئة إلى نفوذ قلبي المستبد وانسحبت يدي بقوةٍ من عالم الصداقة الدافئ مدخلة ً كفي إلى داخل جيبي!! وبقي قلبي الجريح رغم جميع أخطاءه وتعاسة حظه ملتطماً بين أمواجٍ بشرية معلقاً بأملٍ قد يستدل به على ذلك الضياء الهائل التأثير في مملكته العاطفيه! وبعد!... من يدري!؟ قد تنقلب ضياءاتنا إلى ظلمات و ظلماتنا إلى ضياءات.... و نؤمن أن قلوبنا لن تستسلم مطلقاً رغم الألم...لأن حبنا سيتجدد مع الزمن في هذا العالم الصغير الذي اخترنا أن نعيش بداخله ليكبر معنا. |
|