|
كلما اشتقت إليك...
أجلس في غرفتي وحيداً أشعل شمعة و على صفحة بيضاء.. أحاول خربشة معالم وجهك الحبيب.. أرسم لنا بيتاً.. و شجرة.. و شمساً مستديرة... كلما اشتقت إليك.. أدرك أنني لم أشفَ بعد منك.. أهرع كالمجنون..لأسكت صراخ إدمان قلبي عليك.. و أعود إلى حيث مشينا و جلسنا و أحببنا يوماً... أستمع إلى وقع خطواتك.. و أشتم عطرك المزروع خلفك, كالموت للذي يحاول الابتعاد عنك... أبحث عن طيفٍ لعينيك مرّ من هنا و عانق أشجار الطريق ذات مرة, و تركها مثلي مندورة للنسيان و الغبار.. و أذوب شوقاً في شوقي إليك.. و أعود و أنا أحضن قلبي الذي غفا و في عينيه دموعٌ تحلم بك.. و تترجى القدر أن يلد معجزة أخرى, تغير طريق قطار الأيام الهمجي الذي يأبى إلا أن يدمر ما تبقى من قلبي المسكين. و أعود إلى ظلام غرفتي.. أستلقي في جوف سريري و أحضن وسادتي و أحلم... أحلم بك.. آه.. كم حلمت بطائراتٍ تحملني إليك.. بمتعة اكتشاف مدنٍ جديدة معك.. بغرف فنادق ينغلق فيها الباب علينا... بامتلاك الدنيا و أنا أغفو بين ذراعيك.. بحمامٍ تأخذه صباحاً...فتناولك شفاهي أنعم منشفة.. بسهرات كثيرة نملؤها ثرثرةً... عن الحب و الموت.. عن الله.. عن الدنيا.. و عن سراب أحلامنا و أيامنا المخادعة.. و فجأة يقاطع رنين الهاتف رقصة أحلامي المعتادة... كان رنينه الملهوف دليلاً على مفاجأة ما.. و إذ بصوتك يحضنني بغتةً بعد غيابٍ طويل طويل.. و كالإعصار يحطم في داخلي جميع السدود و الحواجز التي بنيتها استعداداً لهذه اللحظة.. و ببساطة تنزع كلماته عني جميع معاطف القوة و التصنع, و كذبة اعتيادي على غيابه... سعادة المفاجأة لم تسمح لي إلا بالاستمتاع بدفء صوته دون إدراك ما يعنيه كلامه.. إلا أنني أدرك أن صوته توقف.. و هكذا تنتهي المكالمة...و يقفل الخط و يمضي... و أظل أنا هنا... ككل مرةٍ تتصل فيها.. أستمع إلى صمت رحيلك.. أستمع إلى اللاشيء الذي تركتني فيه.. أستمع إلى صوت سكوت حبك لي.. أستمع إلى كلماتٍ لم تقلها.. كلماتٍ تترفع عن النطق و السمع.. كلماتٍ من دون حروفٍ أو ضجيج.. نقية وواضحة, تماما كهذا الصمت الذي يفصل بيننا الآن... لكني ما زلت أشعر بك, و أنت على الضفة الثانية من العالم, تحمل سماعة هاتفك مثلي و تستمع إلي.. و أبدأ الآن حديثي الذي ترفض الإصغاء إليه دائما... أقول لك.. حبيبي...اشتقت إليك و حنيني إليك يخنقني.. أحتاجك إلى جانبي و بعدك عني ييتمني... و أضم سماعة الهاتف إلى صدري..و أبكي تدور بي الغرفة...تدور بي حتى أعود إلى حيث بدأنا.. إلى انبهاري به و أنا أصافحه أول مرة.. و إلى لذة الارتباك و أنا بين يديه.. و أبكي....أبكي حبي العليل الذي يرفض أن يموت.. أبكي قلبي الذي رميته في جحيمك الذي لا يرحم.. أبكي هذا الانسان الذي صرته أنا.. أبكي على روحٍ تشتاق من لا يشتاق لها... أبكي قلبي المفطور و الذي يرفض أن يلحد حبك أو يكفر به.. تعال إلي يا قلبي..تعال كفانا أنا و أنت حباً غير شرعي...حباً لا يعترف به حبيب تعال بنا نجمع أجزائنا و ننهض.. و ليكن جرح وداعه آخر جروحك وهيا بنا...نتعلم الحياة بدون حبه...بدون حب. نتعلم أن نعيش بلا ألمٍ أو أملٍ أو أحلام.. و أنا نضيع في دوامات الحياة...و ننساه.. هيا بنا يا قلب..هيا.. ما بك؟؟أجبني.. مازلت تشتاق إليه!! إذاً..هيا بنا.. لنخربش معالم وجهه.. و نرسم لنا بيتاً.. و شجرة.. و شمساً مستديرة... |
|