|
حالة ركود.. أجل هذا أفضل عنوان يمكن أن أصف به حياتي.. و أحب أن أنوه قبل أن تشرعوا بقراءة ما سأكتب:إذا كنتم من الذين يبحثون عن المتعة و التغيير...فلن تجدوا ما تريدون هنا...فالرتابة و الركود هما اللونان الوحيدان في لوحة حياتي..تلك اللوحة التي رسمها قدرٌ أعمى...قدرٌ قاتم الألوان و أطّرها بإطارٍ خشبيٍ سميك...لن أخرج منه ما حييت. أستيقظ كل يوم و في نيتي التهام يومي الطازج بشيءٍ من التجديد... أغسل وجهي.. و أنظر إليه طويلاً... و أتمتم مواسياً ...هناك من هم أشد قبحاً مني... و مع صوت الراديو المتحشرج الممزوج بقهوتي أبدأ يومي.. أبدأ الاستعداد للخروج من البيت و أنا أصنع المعجزات لكي أبدو بأفضل مظهرٍ ممكن, و أرتدي ابتسامتي الهادئة و أمضي سريعا إلى جامعتي.. جامعتي هي قريبتي الوحيدة...لفرط التشابه بيننا أيقنت أن هناك قرابةً تجمعنا...فاسمنت جدرانها الداكن و الملل المعشعش في كل مكان و كل هذه التعاسة المكدسة...بحق السماء!! إنها يجب أن نكون أماً لي. يتدافع الطلاب من حولي يتحاورون و يضحكون و يملؤون المكان ضجةً و شباباً...و يمرون من حولي و كأنهم اعتادوا علي ّلدرجة أنهم لم يعودوا يرونني...يتفادونني و كأنني جزامٌ أمامهم... قد أحظى بسلامٍ عابر ولد عن ارتطام أحدهم بي... أو تلاقي عيونٍ خاطئ و الكثير الكثير من التعليقات الهامسة و كالعادة أزرع حقول ألغامٍ تنفجر قهقهةً من حولي... تجاوزت مرحلة الألم أو الحقد...بل على العكس أحياناً أضحك من شدة طرافة تعليقاتهم... أذكر مثلا أنني سمعت بأني البرهان الحي على نظرية داروين ...و العديد من الألقاب المضحكة...التي إما تنتج عن خصوبة مخيلتهم...أو عن شدة فتنة الملهم.. أخرج و أنا أحدق في هذه السماء التشرينية...سحبها الرمادية كلون جدران أيامي لا شيء يحركها... لا أشعة شمسٍ تشعل الحياة فيها و لا رياحٌ تعيد الأزرق إلى سمائها.. لا عواصف و لا أمطار أو رعدٌ و برق...لا شيء...مجرد اللاشيء... مللت من كلمة "عادي" و "كالعادة"و "دائماً" كم حلمت بـ"فجأة"و "على غير العادة"و الـ "الـ" التي تزيل النكرة عني و عن حياتي.. كم حلمت أن أخرج من هذا الهامش العريض الذي أحيا به.. أن أحس بأية مشاعر كانت... أن تتلبد سمائي بغيوم الحزن تارةً و تشرق بشمس الفرح تارة أخرى... أن يخفق قلبي لغير ضخ الدم..وأن أتحسس ندبات الغدر و الخيانة عليه.. أن تعرف فراشاتي طعم الاحتراق بلهيب قنديلٍ أسمر.. أن أمتلك ثروةً كبيرة من الذكريات..أحرقها حطباً في موقد الشتاءات المقبلة.. أن أضم وسادتي ليلاً و أنا أسترجع ما كان يوماً.. أن أقرأ رسائله للمرة المئة..و أن أعلق صورته على جدران قلبي.. أن أهديه لفحةً صوفيةً منسوجةً بدفء حنيني لتحضن عنقه الحبيب.. أن أشعر بمتعة المشي في شوارعٍ مشيناها يوماً.. أن أجده في كل أغنيةٍ أهداني إياها.. أن أتنفس رائحته و أحفظ تضاريس جسده.. أن أتلذذ و أنا أروي قصتي معه للمتشدقين.. أن أمتلك مشكلةً لا أريد لها حلاً أن أذيب شموعي كلها شوقاً إليه..أن أتعلم نطق كلمة حبيبي.. أن أعرف فصولاً جديدة...غير خريفي الأبدي هذا... كلمة عادي كالزقوم في حلقي و غربتي هذه تخنقني.. آه كم أخشى السير في طريق لا انعطافات فيه و لا زوايا..طريق عقيمة تماما كرحم أيامي هذه.. هكذا أنا..أسير في الشوارع..أعود إلى بيتي..آكل..أنام..أستيقظ و أكرر هذه الحلقة في انتظام خارق. و تدور الأيام صامتة مكفهرة بدون ملامح.. ودائماً في هذا الوقت من السنة يبدأ الناس بتحضير أنفسهم لشيءٍ يسمونه عيد.. و كالعادة و كما اعتدت دائماً..أنزل لأنفق وقتي واهماً نفسي أنني أبحث عن شيء أشتريه..فموميائي الجميلة تريد تغيير ضماداتها في العيد!! أتجول أمام واجهات المحلات المزينة بتلك التماثيل البلاستيكية التي يلبسونها ما يشاؤون. جميعها بدون وجوهٍ أو تعابير..و مثلي تماما دائما مبتسمة أخشى ما أخشاه أن أكون مجرد فردٍ من هذه العائلة و لكن لعنت بلعنة الحياة, و أجبرت على ارتداء ثوبٍ واحد لا إرادة لي لا في لبسه و لا في تغييره.. أستقل سيارة أجرة..و أتوجه إلى أكثر الأماكن ازدحاماً في المدينة.. و دائماً أسكت ثرثرة السائق بصمتي الأصم..و تجاهلي حواره السخيف عن الطقس أو عن شرطة المرور,فيبتلع كلماته الجوفاء تدريجياً و يسكت. و يبدأ في اصطياد زبونٍ آخر يحشو به المقاعد الخلفية لسيارته و سرعان ما يجد من يريد الذهاب إلى مكان قريبٍ من وجهتي . و يصعد معنا شابٌ لم أستطع تبين وجهه أوعمره... و ما كان ليبدأ بالسلام حتى أسرع السائق بحديث يسكت به جوع ثرثرته.. و مع أولى كلمات ذلك المجهول...بدأ شيءٌ ما...ما هو...لا أعرف.. وفجأة وضع يده على كتفي من الخلف, متأسفاً عن كونه شاركني التوصيلة بدون إذنٍ مني.. لم أعرف لماذا فقدت قدرتي عن النطق وقتها.. لم أسمع سوى صوت ارتطام أولى قطرات المطر بتشققات أرضي العطشى.. كان صوته و هو يصارع ثرثرة السائق رهيباً.. و سرعان ما بدأ مطرٌ ما بالهطول...غزيراً...غزيراً... يغسل أتربة الأيام عن روحي و يدمر أسوار الرتابة من حولي... و ينثر سطور أوراقي المنضدة لتتطاير من حولي برياحٍ مجهولة المصدر.. لا أدري كيف وصلنا سريعاً إلى حيث يريد النزول.. رغم تضرعاتي بأن لا ينتهي الطريق..إلا أنه انتهى.. بدأ قلبي يصرخ و هو يشرع في فتح الباب و النزول..يا إلهي ساعدني أرجوك. لم أشعر بنفسي إلا و أنا أقنع السائق بأنني أفضل النزول هنا لأتفادى الازدحام... أفتح الباب و أقف أمامه...مواجهاً له, و تحت أطنانٍ هائلةٍ من الخجل و الحرج..أمد له يدي مصافحاً و أنا أنطق باسمي و كأنني أسمعه للمرة الأولى.. يبتسم مخفياً استغرابه بشيءٍ من المجاملة اللذيذة..و يصافحني. أحدق به... لم يكن وسيماً كما رسمته في خيالي. لم يكن طويلاً أو عريض المنكبين..و لم تكن عيونه ساحرة و لا ضحكته آسرة.. كان على غير العادة إنساناً ببريق..ليس باهتاً كالبقية... وكأنه الشخص الوحيد الذي يمتلك ألواناً في عالمي المزروع بالسواد و البياض.. لا أدري كم طال سلامنا..أعتقد أنه علق قليلاً على الازدحام و تمتم لي مودعاً و مضى بعد أن أحرجه حرجي الأحمق...و مضى.. تلاشى..بين الأدغال البشرية هناك..و لم أعد أراه... أتذكر يومها أنني وقفت طويلاً في مكاني آملا أن يلتفت و يعود.. و تماماً كما اللحظة التي ينقلب فيها الضحك الهستيري إلى بكاء مرير... بكاء العودة إلى جدران الواقع..كنت أنا عندما أيقنت أنني لن أراه أبدا... لا أذكر كم ساعة مشيت يومها..و أنا أبحث عن أجوبةٍ لأسئلةٍ لم أحضّرها يوماً.. ما هذا الذي جرى لي؟ أرتعش و أنا أجاوب متسائلاً"أهو الحب؟" فجأة شعرت بسعادة سحرية تحتضن روحي..سعادة من دخل الفردوس لثوانٍ و هبط منها و بين يديه حلم العثور عليها مجدداً.. فجأة وُلد لي حلمٌ جميل..وولدت أنا بعده.. لا أذكر حقاً كم ساعة مشيت و لكني أذكر أنني سمعت عجوزاً ما يتمتم لصاحبه.. "يبدو أن برد الشتاء سيتأخر هذه السنة" |
|